محمد محمد أبو موسى

118

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

والذي يعنيني أن أشير اليه هنا هو كتاب حقائق التأويل في متشابه التنزيل لأنه يتميز بمحاولات تجتهد في أن تستنبط كثيرا من المعاني ، وأن تشير إلى كثير من الاحتمالات التي يمكن للكلام أداؤها ، وهو بهذا يكون أقرب إلى تفسير المعتزلة من كتابيه السابقين . ولننظر إلى ما يقوله في قوله تعالى : « وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » « 159 » ، وكيف كان التعبير بالرجوع هنا موحيا بأن الأمر كأنه انفلت من يده سبحانه ثم رجع اليه . يقول : « ما معنى رجوع الأمور اليه وهي غير خارجة عن سلطانه وقدرته وتقلب العباد جميعا في قبضته وملكته ، وهذا يدل على أن الأمور تخرج عن تدبيره حتى يصح أن توصف بالرجوع اليه بعد الخروج عنه ؟ الجواب : ذكرنا لمن سأل عن معنى قوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ » « 160 » أقوالا كلها تخرجه تعالى عن أن يكون مكلفا فوق الطاقة ، وآمرا بغير الاستطاعة أقوالا تكشف عن المراد بهذا القول عند اعتراض ما يقتضيه ، فمنها قولهم : ان معنى ذلك : اتقوا اللّه في القيام بأداء ما فرض عليكم واستعملت به أبدانكم وجوارحكم » . . . ثم ذكر أقوالا كثيرة في توضيح معنى « اتَّقُوا اللَّهَ » وجعل ذلك مقدمة لتفسير رجوع الأمور اليه سبحانه حيث بنى عليها قوله في هذه الآية ، ومع هذه الأقوال نورد هاهنا ما يكون أنقع للغلة وأكشف للشبهة ، فنقول : قد قال العلماء في ذلك أقوالا منها أن اللّه ملك الناس في دار التكليف أمورا تملكوها ووصفوا بالملك لها ، وسمى تعالى بعضهم ملوكا على هذا المعنى فقال تعالى : « اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً » « 161 » . قال بعض المفسرين في ذلك : أنه جعلكم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب ولا يحول بينكم وبينه حائل ،

--> ( 159 ) آل عمران : 109 ( 160 ) آل عمران : 102 ( 161 ) المائدة : 20